على الرغم من ان ظاهرة الفساد لاتحظى بتعريف جامع ومتفق عليه دوليا ! وذلك لان ظاهرة الفساد تتضمن ابعاد ومعايير سياسية واقتصادية وثقافية وأخلاقية وقانونية ودينية وكذلك زمانية ومكانية , وأن ظاهرة الفساد تتجه حصريا نحو السلوك الاخلاقي والثقافي المنحرف أمتدادا نحو العلاقات والاجراءات الفاسدة والمفسدة . وبهذا نستطيع تعريف ظاهرة الفساد : باعتبارها ظاهرة مرضية أجتماعية تهدد كيان المجتمع وتعرقل مسيرته التنموية والتقدمية وتعطل آليته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية , وتساعد على تكريس ظاهرة الفقر والقهر والتخلف , وتفتت المجتمع وتقطع اوصاله وتعدم الاحساس الوطني والانتماء للوطن .وعلى الرغم من نبذ ظاهرة الفساد عالميا الا انها ظلت تلف بنسيج المجتمع وتنخر قوته المالية وتهدد قدرته الاقتصادية . وتؤكد الكثير من الدراسات والبحوث باهمية محاربة الفساد باعتبارها ظاهرة عالمية حيث لايستثنى اي بلد ولكن بنسب متفاوتة, وهذا ما جاء في تقرير منظمة الشفافية الدولية في مدركات الفساد للعام 2008 حيث احتل العراق والصومال اعلى مستويات الفساد وقد جاء في المرتبة 178 في ترتيب الدول المتورطة في الفساد وهذا يؤكد فشل المؤسسات المراقبة والمتابعة لظاهرة الفساد وان الحكومة ومؤسسات المعنية تتحمل مسؤلية المراقبة وتمحيص الفساد ومعاقبة المؤسسات والوزارات والهيئات التي يثبت تورطها في الفساد . ومن هنا نريد ان نبحث بصورة مبسطة مسببات الفساد في العراق واثاره على المجتمع العراقي . فالعراق الذي ظربته أمواج الفساد. والاسئثار بالسلطة والاستهتار بالحق العام ومقدرات الشعب العراقي حاضرا ومستقبلا . وتبديد الثروات العامة الذي أكل الاخضر واليابس ونهك وهتك قوام المجتمع ونخر القيم الاخلاقية. وقد اغفل عنها وتغافلها المشرع الديني دون تناولها بشئ من الموعظة يصلح بها المجتمع من ظواهر الفساد ومظاهره وهنا نحمل المؤسسات الدينية بذلك , بل ذهب البعض منهم الى تبريرها تحت مسمى "الهدية" واصبح الموظف يبتز المواطن بدفع هدية مشروطة من قبل الموظف تتجاوز اضعاف اضعاف ما يتقاضاه من مرتبه الشهري متجاوزا كل الاعتبارات الاخلاقية والاجتماعية
وان ظاهرة تقاسم مؤسسات الدولة من قبل المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية ساعدت على تكريس ظاهرة الفساد باعلى درجاته ,وهذه اساءة الى استعمال الوظيفية السياسية والادارية والى الحكومة من خلال التعاطي بثقافة الفساد والاختلاس والرشوة والمحسوبيات, وهذا يمثل انحراف اخلاقي واجتماعي يقوم به شخص له صلاحيات وسلطة ملزمة في اطار وظيفته متجاوزا كل الاعتبارات والقواعد الاخلاقية والقانونية المنظمة لخدمته . وهذا السلوك هو تحايل على مبدأ الصدق والامانة والقيم والاخلاق وخرق مبدأ التعاقد القانوني الملزم به . وبذلك نعتقد ان مسببات الفساد التي تتمثل بعدم رسوخ دولة المؤسسات وسلطة القانون، وغياب الشفافية والمساءلة ، والتحدي الامني الذي رافق العملية السياسية ، وكذلك المحاصصة والمحسوبية الحزبية والطائفية اضافة الى ارث السلوك اللأخلاقي وان تحليلنا لتلك الظاهرة باعتبارها حالة مرضية تمر بها المجتمعات عامة والمجتمع العراقي خاصة , مرتبطة بآليات عمل المجتمع وحقوق الانسان والعنف والتمييز بين ابناء الوطن والتمييز ضد النساء والتهميش المتعمد لشرائح المجتمع وطاقاته الفعالة , وهذا يعبر عن وجود خلل في بناء المجتمع ونظمه وسلوكه الاجتماعي والاخلاقي والثقافي والديني وملامح نظامه السياسي . والفساد يرتبط بالسلوكيات والممارسات الخاطئة والمنحرفة كالرشوة والوساطة والمحسوبية والاستغلال والتزوير والجريمة والتهريب لثروات البلد العينية والمادية. والفساد يؤثر تأثيرا خطيرا وكبيرا عندما يحدث في المستويات العليا لجهاز الدولة وهذا يؤدي الى فقدان الثقة بين المواطن والحكومة وعدم احترام القانون, وكذلك يهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي ويخرم القانون الاخلاقي للبلد , وهذا النوع من الفساد هو الفساد الاكبر والاخطر لانه يدمر الوظائف المركزية للحكومة ويدمر الاجراءات الخدمية المحلية في الوظائف الدنيا .
والفساد الاكبر هو الاستخدام السئ للسلطة العامة من أجل كسب ربح شخصي او من اجل مكانة اجتماعية أو منفعة أجتماعية بطريقة مخالفة للقانون والشريعة والمعايير الاخلاقية وهو يمثل انتهاكا صارخا للمصلحة العامة وانحرافا عن السلوك غير المشروع وغير المقبول بالعرف والدين. والمفسد هو من يضع مصلحته الخاصة فوق المصلحة العامة بصورة غير شرعية وينحرف عن واجبه الرسمي من اجل مصالح ضيقة له ولعائلته وعشيرته وحزبه , وكذلك يسئ استخدام أدواته السياسية والادارية , وبهذا يقدم صورة شريرة لتدمير السلامة العامة وخرق القانون العام وفساد الذمم. ومشكلة ظاهرة الفساد تكمن بثلاث عوامل رئيسية تلعب دورا في بلورة الشخصية الفاسدة: * سلوك الانسان الاخلاقي والاجتماعي والثقافي , * طبيعة الانسان الزمانية والمكانية وظروفها, *الالتزام الشرعي القانوني والديني كما ان سلوك الانسان الاخلاقي والاجتماعي والثقافي
هو النشاط الذي يعبر عنه الفرد من خلال علاقاته بمن حوله, والسلوك له مجموعة من القواعد الاخلاقية والاجتماعية والثقافية , وهنا يقع الفساد في مجال السلوك الاخلاقي والاجتماعي الخاطئ بأعتباره يقع في تقاطعات العلاقات الفاسدة عند نقطة التفاعل بين النفع العام والخاص , وبذلك يأخذ منحى سلوكي خاص تحت اطار ممارسات خاطئة كالرشوة والعمولة والاختلاس وغير ذلك , وهذا السلوك يصبح مبرر لانه يؤدي الى منفعة شخصية, وقد يصبح هذا السلوك ظاهرة ثقافية واجتماعية واخلاقية متداولة في المجتمع. كما ان طبيعة المكان والزمان يلعبان دورا كبيرا في طبيعة الانسان وظروفه, فالمكان والزمان مهم في التاثير على سلوك الانسان الاخلاقي والاجتماعي وهو مايبرر له فعلته , وهناك علاقة منسجمة بين الانسان والزمان والمكان يتحدد فيها دور كل طرف تأثيره وتأثره , واي عمل أوفعل هو تلاقي الإنسان مع الزمان والمكان وظروفه المحيطة به . فهل يصدر هذا العمل أو الفعل من إنساناً طيباً صالحاً ، أم إنساناً خبيثاً طالحاً فيترك ذلك الفعل أو العمل على المجتمع , فقد اشتشرى الفساد زمنا طويلا على ارض العراق مما خلف فقرا وقهرا وتخلفا , مما ترك اثارا سلبية تعيش في جسد الامة والمجتمع لهذا الوقت. وهنا ياتي دور الالتزام الشرعي والديني يعني ان يلتزم الشخص بمنظومة القيم القانونية والدينية التي تسود المجتمع , وان الالتزام الشرعي "القانوني" والوازع الديني هو مؤشر حقيقي لضبط السلوك والتصرفات المفسدة والحد منها خلال التعامل معها ومعاقبة المفسد . ومحاربة الفساد بأسس قانونية ودينية يمكن ان تحدد من ظاهرة الفساد في نسيج الواقع الاجتماعي , وعلى القانون ان يحدد ويبين خطورة الفساد وعقوبة المفسدين ضمن نصوص قانونية.وأن غياب الوازع الديني يترك الشخص ان يتمادى بسلوكه الخاطئ دون اي رادع حقيقي. وبسط القانون هو الكفيل من حد الاضرار بالمجتمع فكل جرم له مادة قانونية تدينه وتردعه.



الرئيسية


























