سوف يواجه الرئيس المنتخب باراك اوباما عندما يتولى مهام منصبه رسميا في العشرين من يناير 2009 جملة من المسائل الضاغطة بلا شك ابرزها القضية الاستراتيجية المتمثلة في تحديد سمات السياسة الامريكية في العراق بدقة وعلى نحو ايجابي.
فالعراق، الذي يطفو على احتياطيات نفطية مثبتة تتضمن 115 بليون برميل على الاقل (9.3 بالمائة من مجمل احتياطيات العالم) يجاور في حدوده بلدانا مهمة هي ايران، سورية، تركيا والمملكة العربية السعودية.
كما يمكن ان يصبح هذا البلد الشرق اوسطي الحيوي اما ميدانا للارهاب ولحروب اقليمية في المستقبل أو حليفا مزدهرا مستقرا للولايات المتحدة.
لذا، ان ما يهم الآن هو ليس البحث في كيف بدأ الوجود الامريكي في العراق بل في كيف سيتغير ويتطور هذا الوجود في السنوات الاربع المقبلة.
لذا، ربما يكون من الاجدى والافضل في ظل الظروف الراهنة الملائمة نسبيا تحقيق الاستقرار في العراق الآن بدلا من انتظار فرصة مجهولة يمكن ألا تكون ملائمة لتحقيق هذا الهدف في المستقبل.
ان في العراق اليوم عوامل مهمة تساعد في تحقيق اهداف السياسة الامريكية في منطقة الخليج وفي العالم الاسلامي على نحو اوسع، وهذا عدا عن امكانية بروز هذا البلد كدولة ديموقراطية قوية في قلب الشرق الاوسط.
انسحاب مسؤول
يواجه الرئيس المنتخب اوباما الآن تحديا لم يواجهه من قبل أي ساكن آخر في البيت الابيض في هذا العصر، وهو تحديدا الانسحاب من بلد محتل لم يتوفر فيه بعد الاستقرار الشامل كما كان عليه الامر في المانيا، اليابان وكوريا عقب الحرب العالمية الثانية.
ان تخلي القوى الامبريالية الاوروبية المتسرع عن مستعمراتها والدول التي كانت تحكمها من خلال الانتداب في اواسط القرن العشرين، ادى الى اوضاع سيئة ومأساوية تظهر عادة نتيجة لعدم اهتمام استراتيجيات الانسحاب المتسرع بانعكاساته السلبية على الدول المستقلة حديثا.
لذا، ومثل الدول الاوروبية قبلها، سوف يحكم التاريخ على الولايات المتحدة من خلال الطريقة التي تخلت بها عن مسؤولياتها في العراق في هذه الفترة الحساسة من الزمن.
من هنا، ولأن العالم العربي كان ضحية لانسحابات عشوائية سابقة خلال عهد الاستعمار، يتعين ان تكون استراتيجية الانسحاب الامريكي من العراق مسؤولة، وتتجنب الحاق أي ضرر فيه وفي الدول المجاورة له.
من الواضح، على أي حال، ان للمصالح الوطنية العراقية دور في تحريك عملية انسحاب القوات الأمريكية منه، ولقد ظهر هذا جليا من خلال اعراب حكومته المستقلة عن رغبتها في تقليص مساحة انتشار ودور القوات العسكرية الامريكية، وذلك بعد ان اصبحت القوات العراقية قادرة على حفظ الأمن في معظم اقاليم ومناطق البلاد.
ومن المهم من منظور أمريكي ايضا تحفيف العبء على القوات المسلحة الأمريكية، وتقليل الخسائر والنفقات المرتبطة بالحرب في العراق، وهذا عدا ايضا عن تحرير القدرة العسكرية الامريكية كي تتفرغ للعمل في ساحات معارك اخرى مثل افغانستان، او لكي تلعب كعامل ردع في مناطق مثيرة للقلق مثل: ايران، كوريا الشمالية والصين.
لكن وبالتوازي مع هذه الاعتبارات، تستدعي الضرورة الاستراتيجية ايضا ان تتفاوض الولايات المتحدة من اجل استمرار نفوذها في العراق بالاضافة لحرية الوصول عسكريا اليه، فالاماكن غير المستقرة من العراق تحتاج للوجود العسكري الامريكي أكثر من المناطق الاخرى القليلة في العالم. وهذه الحقيقة غالبا ما يتم تجاوزها بعدما تقلص الدور الامريكي في الأماكن التي توفرت فيها قوات امن عراقية ومجالس محافظات تتألف من خليط (كوكتيل) طائفي وعرقي ملائم.
لكن ثمة مناطق اخرى تحتاج فيها القوات الامريكية لانهاء عملها كوسيط نزيه او كصانع سلام، وهذا يعني ضرورة التركيز من خلال المراقبة والتدريب التي لم تتمكن فيها قوات الأمن وموظفو الحكومة بعد من القيام بمهام مسؤولياتهم مثل نينوى وكركوك، ومحافظة ديالى التي هي بوتقة تنصهر فيها مختلف الطوائف والاجناس والاعراق.
وبالرغم من ان نقل الوجود العسكري الامريكي الى حدود العراق لردع التدخل الخارجي يبدو امراً منطقياً الا ان تعزيز السلام والاستقرار في العديد من المناطق الكثيفة السكان ينطوي على اهمية اكبر.
عام الانتخابات
سوف يجد الرئيس الامريكي الجديد نفسه مضطرا لبناء علاقات طيبة مع القيادة العراقية في وقت حساس جداً على المسرح السياسي العراقي.
فهو بحاجة الآن لأن يدرك الضغوط التي يواجهها الزعماء العراقيون في عام 2009 وهم يقتربون من انتخابات الاقاليم ومن الانتخابات الوطنية ايضاً.
لهذا، على اوباما الا يتوقع الكثير من الحكومة العراقية الراهنة، وعليه ايضاً ان يتذكر دائماً ان الزعماء العراقيين لن يميلوا على الارجح للحلول الوسط والمساومات علناً وفي الاجتماعات خلال 2009.
ان العراق يمر الآن بما يعرف ديناميكية فترة ما بعد الاستعمار، التي تتسم فيها مواقف رجال السياسة عادة بالافراط في الوطنية ومقاومة المبادرات ولاسيما عندما تأتي من جانب قوة الاحتلال.
لذا، يتعين ان تكون استراتيجية واشنطن تجاه زعماء العراق في عام الانتخابات المقبلة ملائمة في شكلها ومظهرها شاملة وان تأتي من وراء ابواب مغلقة.
ومن المرجح ان يقود رئيس الحكومة العراقية المقبلة تآلفاً حاكماً متنوعاً تبعاً لتنوع الفصائل العراقية على المسرح السياسي.
وبما ان توزيع مقاعد مجالس المحافظات سوف يزداد على المستوى المحلي، يجب على الحكومة الامريكية اقامة اتصالات مع السلطة العراقية والفصائل السياسية ايضاً.
وفي هذا الاطار، ينبغي على الادارة الامريكية مراقبة تطور الافق السياسي العراقي وتقييم نتائج انتخابات المحافظات والالتقاء بمجموعة واسعة من الشخصيات السياسية.
تأمين التطور السياسي في العراق
إذا انسحبت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من عملية التطور السياسي في العراق، سينزلق هذا البلد على الأرجح مرة اخرى الى الحكم السلطوي العسكري والى مرحلة جديدة من العلاقات العدائية بين العرب والأكراد.
لكل هذا يتعين تركيز الجهود الدبلوماسية على ما يلي:
- ضمان عقد انتخابات نزيهة وإصلاح العملية الانتخابية بما في ذلك مساندة قانون الانتخابات الدائم «قانون انتخابات المحافظات الراهن يغطي انتخابات عام 2009 فقط».
- تعزيز الحكم المدني، وتوفير الدعم لرئيس الحكومة وتشجيع الوحدة الوطنية من خلال مساعدة القيادة العراقية والأمم المتحدة في معالجة قضايا كركوك والمناطقة الكردية ذات الحكم الإقليمي من خلال حل مقبول لدى كافة الأطراف المعنية وعلى نحو متدرج على مدى السنوات الأربع المقبلة.
تطبيع العلاقة مع العراق
الآن وبعد أن انتهت الانتخابات الأمريكية، يتعين على ادارة أوباما السعي لتطبيع علاقتها مع العراق باعتبارها قضية استراتيجية. فالعراق بلد مهم جدا سياسياً، عسكرياً واقتصادياً يستحق التزاما أمريكيا جاداً ومستمراً وعلاقات دبلوماسية وعسكرية خلاقة.



الرئيسية


























