بعد الاحتلال المدمر للعراق تعرضت المنظومة القيمية في مجتمعنا الى الاهتزاز واصبح كل شيء في غير موضعه.. تغيير المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية التي اعتاد الناس على تداولها والاتفاق على وصفها واصبحت مثار خلاف واختلاف وتشرذم تبعاً لكثرة الكتل والقوى والاحزاب السياسية التي كانت قرائتها للواقع العراقي من خلال مخزون ثقافتها السياسية والفكرية والعقائدية , والتي تأتي بالتأكيد بعيدة كل البعد عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في مجتمعنا وبالتالي تأتي هذه القراءة منحازة ولا تمثل غالبية العراقيين انما تمثل هذه الاحزاب والكتل بنظرة حزبية ضيقة..وان غياب الرؤيا الشمولية لهذه القوى مجتمعة لصنع استراتيجية شاملة قاد البلد الى الفوضى العارمة التي طالت كل شيء منذ عام 2003 ولحد اليوم , واذا لم توضع خارطة طريق لتنمية سياسية عراقية وطنية داخلية بدون بصمات اقليمية اودولية وفق اطار زمني واقعي للوصول الى النظام السياسي والاجتماعي المطلوب تحقيقه في العراق.. لتعزيز وتطوير مبدأ التداول السلمي للسلطة بدون هذا ستكون الاربع سنوات القادمة اسوء من السنوات السبع الماضية, لاننا سنكون اقرب الى الدكتاتورية منه الى الديمقراطية . ان التفكير المرحلي والاستعجال في تحقيق مكاسب انية لهذه الكتلة على الكتلة الاخرى سيفضي الى نتيجتين كلاهما علقماً للسياسيين .. الاولى سترسخ الجدار العازل بين هذه الكتل وانكفائها داخل طائفة او حزب واضمحلال هذه الكتل وهي في بداية عمرها السياسي.. ولنا فيها شواهد معروفة للجميع.. ثانيهما: ترسخ الابتعاد عن الجماهير لان حب الناس ودعمهم ليس حاجة يمكن الاحتفاظ بها الى مالانهاية وبالتالي سنخسر اندفاع الناس للجولة القادمة من الانتخابات وعدم انخراطهم في التاييد لاي كتلة لانها خذلتهم ..ان التنمية السياسية مفهوم معناه هو اصلاح شكل الدولة ونوعية العلاقة بين الدولة والمجتمع..لان هذا التعبير الحقيقي عن طبيعة الحياة السياسية في الدول,وهذه العلاقة نجدها في الدول المتقدمة والديمقراطية تفاعلية وايجابية بينما في دول العالم الثالث علاقة سلبية جامدة ومتراجعة. لماذا نحن اليوم نطمح ونحث الخطى لتشكيل حكومة وطنية تأخذ على عاتقها البدء بمشروع تنمية سياسية شاملة كأجراءات تمهيدية ضرورية للتأسيس لثقافة جديدة وخلق حالة من رأي عام مرن وملائم لمعطيات المرحلة القادمة تتصف بوضوح الرؤيا الاستراتيجية العامة ووضوح الحالة النهائية التي نريد نقل المجتمع العراقي اليها وشكل والنظام السياسي والاجتماعي الذي نبتغي الوصول اليه, والاطار الزمني الذي سيضبط عملية التحول.. وهنا يجب الا تكون الحكومة القادمة بلا كوابح تعمل بالاليات القديمة لاتبقي من ثرواتنا الوطنية وقيمنا المجتمعية الاصيلة ولاتذر.. انما ان تكون لديها خطط متفق عليها قادرة على مراعاة متطلبات الامن الوطني مع وجود اهداف رئيسية واهداف مرحلية مع اطر زمنية محددة..وتاسيس علاقة راسخة بين خطط التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية . ان التنمية السياسية ستكون الطريق الصحيح للاصلاح السياسي والاقتصادي المنشود لبلدنا.. بما لايتعارض مع قيم مجتمعنا ولا يتقاطع مع طموحاتهم.. اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان هذه التنمية هي ضمانه الامن الوطني ..وضمانة للاقتصاد الوطني..وضمانة لمستقبل كل العراقيين بدون تمييز. فتقع المسؤولية الكبرى على المخططين لبلورة برنامج وطني يحقق اهداف التنمية السياسية بما لايخل بأمننا الوطني ويدعم وينشط اقتصادنا..والهدف من كل هذا هو الانتقال بالنظام السياسي والاجتماعي من الانماط التقليدية القائمة منذ عقود طويلة في بلدنا الى النظام المعاصر ضامن لمستقبلنا..ومستقبل وامن جيراننا..وهذ يتطلب تهيئة البيئة السياسية والاجتماعية الملائمة وتأسيس الثقافة المطلوبة وتحضير المجتمع ومؤسساته المدنية وبناء وتطوير التشريعات الضرورية واجراء التعديلات الدستورية الضرورية لحماية مسار التحول السياسي والاجتماعي والاقتصاد المنشود . فهل ينهض الساسة العراقيون بمسؤوليتهم الاخلاقية والوطنية للشروع من نقطة الصفر لاختزال الزمن والاندفاع نحو مستقبل واعد وفق استراتيجية شمولية لا تتقاطع خلالها المصالح الحزبية الضيقة وتتجه البوصلة الى هدف كبير هو ((العراق اولاً)).



الرئيسية


























